صرخة الشرطي محمد… خطأ طبي أفقدني صحتي ودراستي وعملي

قبل 14 عاماً بالتحديد، كان فلاح سليمان (34 عاماً) ابن قرية بروقين قضاء سلفيت، يعمل في جهاز ، موجة ألم في بطنه ألمّت به، ولكنه لم يكن يتوقع أن ألما محتملا سيفقده ما لا يُحتمل “صحته وعمله ودراسته”.

يقول محمد لـ وطن للأنباء “كنتُ أدرس في جامعة النجاح تخصص علم النفس، وكنتُ أعمل في جهاز الشرطة، وفي عام 2003 أصابتني موجة ألم في بطني، وعلى إثرها نُقلت الى مستشفى قلقيلية الحكومي، ثم الى مستشفى الأقصى الخاص وهناك أخبرني الأطباء بضرورة اجراء عملية “الزايدة”، وكوني عسكرياً أحمل التأمين العسكري نُقلت لاجراء في مستشفى رفيديا”.
ويضيف “في مستشفى رفيديا قدموا لي إبر مسكنات، وقرروا لي مغادرة المستشفى على أن أعود اليهم اذا عاد الألم، وفعلاً فجر اليوم التالي شعرت بألم مضاعف لما كان عليه مسبقاً، توجهت الى المستشفى ولكني لم أجد ، ومكثت في ساحة المشتسفى حتى الثامنة صباحاً حيث بدأ بالتوافد الى دوامهم، أجروا لي الفحوصات الطبية وأخبروني بضرورة المكوث في المستشفى، دون شرح حالتي الصحية”.
مكث محمد 3 أيام على اسرة مستشفى رفيديا، والأوجاع لم تغادره، فقرر الأطباء لاحقاً اجراء عملية “الزايدة” لمحمد، ولكن الصدمة كانت فيما بعد.
محمد.. الوفاة أقرب من الحياة

يستذكر محمد ما جرى له في تلك الأثناء بدقة، فيقول “خرجت مع العملية بعد ساعات، علماً أنها لا تحتاج لأكثر من ساعة، وبعد استيقاظي من المخدر فوجئت بجسدي محاط بـ “برابيج البول والدم” وان جرح بطني كبير جداً، وعندما سألتُ الأطباء عن السبب قالوا لي أنه أمر طبيعي”.
رغم الحالة التي كان عليها محمد آنذاك، أقر له أطباء مستشفى رفيديا المشرفين على حالته بأمر الخروج من المستشفى، فيضيف “عندما سألتهم عن كيفية خروجي من المستشفى وانا على هذا الحال، قالوا لي “تابع مع أقرب مستوصف طبي عليك وهم يتدبرون الأمر”.
محمد لم يقتنع بذلك، ولكنه اضطر لمغادرة المستشفى بعد أن وقّع الأطباء على أمر الخروج، فيكمل قوله خلال حديثه لـ وطن للانباء “مكثت في البيت 10 أيام والأوجاع تزداد، بطني كان فيه 22 قطبة بعد العملية، الجرح مفتوح وغير ملتئم، كنتُ أتناول الطعام ولكني لم أكن أذهب للمرحاض للتخلص منه، شعرت بأن شيئاً ما غريب، فالانسان في الحالة الطبيعية يجب أن يتخلص من الفضلات يومياً”.
يستطرد محمد حديثه “بعد 10 أيام، شعرت بعدم توازن، ما استدعى لنقلي الى مستشفى سلفيت، وهناك بدأ “ماء برائحة سيئة” يتسرب من الجرح في بطني، وتم استدعاء الأطباء وبدورهم أخرجوا الماء المتعفن في جسدي وكان بكميات كبيرة جداً، وأدخلوني الى غرفة العمليات”.
مكث محمد ما يقارب ساعتين ونصف في غرفة العمليات، ثم ثلاثة أيام في غرفة العناية المكثفة لسوء حالته الصحية، وكان الأطباء قد أخبروا عائلته باحتماليه فقده في أية لحظة، وفق ما قاله محمد.
وعن التشخيص الطبي لحالته آنذاك، قال محمد “الاطباء أخبروني بأن أمعائي والقولون تعرضتا للتمزق خلال اجراء اطباء مستشفى رفيديا عملية الزايدة، الامر الذي أدى الى بقاء الطعام في بطني طيلة الفترة الماضية وتعفنه”.

لم تنتهِ معاناة محمد بعد، فبعد أسبوعين شعر بأوجاع شديدة في قدمه اليسرى ثم تعطلت عن العمل بالكامل، وعندما ذهب الى مستشفى سلفيت جرى تحويله الى مستشفى رام الله، ومكث فيه 16 يوماً حيث ” كانت قدمي قد أصيبت بجلطة، ثم طرأ تحسن ضئيل على قدمه، ما استدعى مغادرة المستشفى، ولكني ما زلتُ حتى اليوم أعاني من أوجاع فيها وأتناول الأدوية باستمرار”.
عاد محمد من جديد الى مستشفى سلفيت بعد 3 أشهر، وأجرى عملية “ربط للأمعاء”، ثم عادت مشكلة التصاق الأمعاء من جديد، فيما ظل حال الجرح في بطني على حاله ويزداد سوء كل يوم”.
تعاقبت الأيام على محمد الذي قرر عام 2007 أن يقدم استقالته من عمله في جهاز الشرطة، وسافر الى السعودية عبر جمعية في قلقيلية، وذهب الى أحد مشافي جدة، وهناك أخبروه بأن ما جرى له يعتبر كارثة حقيقية، حيث تفاجئ الاطباء في جدّة بأن أطباء مستشفى رفيديا الذين أجروا لمحمد عملية الزايدة كانوا قد استخدموا في خياطة الجرح خيوط غير طبية وغير قابلة للاذابة في الجسد كما المعتاد، الامر الذي كان يمنع التئام الجرح، عدا عن تمزق الامعاء والقولون الذي جرى.

“قضيت وقتي مراجعات عند الاطباء واتابع تناول الادوية” هكذا يجيب محمد على كل مَن يسأله كيف تقضي أوقاتك منذ تلك الحادثة.
وعن عمله، قال محمد “حاولت لاحقاً العودة الى عملي ولكن جهاز الشرطة رفض عودتي، ما يعني أني خسرت وظيفتي التي كنتُ أعتاش منها”.
ظننتُ القضاء سينصفني
لم يقف محمد صامتاً أمام كل ما تعرض له، فتوجه عام 2005 للهيئة المستقلة لحقوق الانسان وقدم شكوى ضد الطبيب الذي تسبب له بالخطأ الطبي في مستشفى رفيديا، والهيئة المستقلة بدورها راسلت وزارة الصحة وشكلوا لجنة تحقيق في الحادثة حينها، وخرج تقرير اللجنة بادانة 9 أطباء في مستشفى رفيديا بينهم ممرض، وبناء على التقرير تقدم محمد بشكوى أمام المحاكم ضد المستشفى و2 من الاطباء “الذي أجرى العملية، والذي وقّع على أمر خروجه من المستشفى رغم حالته الصحية السيئة آنذاك”.

فيقول محمد “حتى عام 2012، لم تُعقد أية جلسة محكمة حول الشكوى، وعندما استفسرت عن الأمر قيل لي أن المشكلة كانت بعدم وصول المراسلات الى المحكمة، وفيما بعد بدأت الجلسات”.
وَاضاف “القاضي حكم على الأطباء بالسجن لمدة عام مستنداً الى تقرير لجنة التحقيق التي شكلتها وزارة الصحة والهيئة المستقلة، ورفضاً للقرار اعتصم موظفو مستشفى رفيديا وأضربوا عن العمل، وأحضر مدير عام المستشفيات آنذاك، أوراق أسماه “ملف تحقيق” الى المحكمة، يرفع عن الاطباء الادانة بخطأ طبي بعد رفعهم تظلماً، والقاضي أعلن براءتهم”.
تفاجئ محمد من اعلان براءة الاطباء، وعندما حصل على نسخة من “ملف التحقيق” اكتشف أن الاوراق لا تشتمل على أختام وترويسة وتوقيع وزارة الصحة، كما أنها تحمل تاريخ يسبق تاريخ ما تعرض له محمد من خطأ طبي بشهر.
استأنف محمد أمام محكمة النقد عام 2014، والتي اعلنت براءة الاطباء أيضاً مستندة الى “ملف تحقيق” لا يشتمل على أختام وزارة الصحة ولم يصدر عنها وفق ما قالته إحدى العاملات في الوزارة عندما شاهدت الأوراق.
“خسرت صحتي وعملي ودراستي ولعب الرياضة حيث كنتُ لاعب محترف في رياضة كرة القدم وحصلت على أوسمة عديدة، والقضاء لم ينصفني، نحن أمام حالة أقسى بكثير مما يقال عنه قانون الغاب، واقعنا أسوأ” هكذا ختم محمد قوله لـ وطن للأنباء.

وكانت وطن للانباء عرضت حالة محمد خلال تحقيق استقصائي حول الاخطاء الطبية، لمتبعة التحقيق اضغط هنا