حدث في فلسطين … عرسان من “شهر العسل” لقضبان السجون

حدث في فلسطين … عرسان من “شهر العسل” لقضبان السجون

تحوّل الحُلم إلى كابوس. هذا باختصار ما حدث مع الشاب أحمد عبدالله (28 عامًا) بعد أن لجأ للزواج بالتقسيط عبر إحدى الجمعيّات المتخصصة في ذلك، مستسلمًا لـ”العروض المغرية” التي تقدمها للزبائن، وقد ظن أنها ستخفف عنه تكاليف زواجه، ولم يكن يعلم أنها – ستزيد الطين بلة – حسب تعبيره.

قبل زواجه بأشهر، توجه أحمد إلى الجمعية التي تعاقد معها للاتفاق على متطّلبات فرحه ولوازمه، فاشترط عليه صاحب الجمعية دفع مبلغ مسبق قدره 800 دينار أردني مبدئيًا، ثم تقسيط الباقي بعد أول شهر من الزواج حتى اكتمال المبلغ. لم يكن أمام أحمد سوى الموافقة لعدم وجود خيارات أخرى.

لم يمضِ على زواج أحمد – الذي يعمل موظفًا لدى السلطة الفلسطينيّة – سوى شهر واحد حتى بدأت المؤسسة بمطالبته بتسديد الرسوم المستحقة عليه؛ ودفع 100 دينار على الأقل. كان وقتها عريسًا عندما تلقى استدعاءً من الشرطة على خلفيّة بلاغ قدمته ضده الجمعية التي تزوج من خلالها بالأقساط.

م يملك أحمد من المبلغ المطلوب شيئًا، ولم تكتمل فرحته حتى انتقل من عش الزوجية في “” إلى السجن، بسبب تخلفه عن الدفع.

يقول: “صدمت من طلب استدعائي على إثر عدم تسديدي القسط الأول من زواجي، وكنت قد اتفقت سابقًا مع صاحب الجمعيّة، بأني لن أستطيع الدفع سوى بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، فوافق وكان رده: ولا يهمك اللّي بدك إياه بصير. لكن ما حدث يناقض ذلك”.

بعد أن تم إلقاء القبض على أحمد، طلب مقابلة صاحب المؤسسة الذي اتفق معه، لكن الأخير رفض الطلب وأوكل محامي المؤسسة بالتعامل معه بناءً على الإجراءات القانونيّة، فوضعه أمام خياري الدفع، أو الاستمرار في الحبس.

قضى أحمد 21 يومًا داخل جدران السجن على خلفيّة الذمم المالية، وهي المدة المفروضة عليه من أصل 90 يومًا. يقول إنّ القائمين على الجمعية “تحايلوا عليه في بداية العرض حتى وقع فريسة لهم، فلم يعتمدوا على الاتفاق الشفهي الذي دار بينهم، بل استندوا إلى مستند الدفع الذي وقّع عليه الطرفان”.

ومنذ بداية الحصار المفروض على قطاع غزة قبل 11 سنة، انتشرت جمعيات الزواج بالتقسيط، وقد لقيت إقبالاً كبيرًا من الشباب الغزي عليها، رغم أنها لا تخضع للرقابة، وذلك نتيجة الأزمة المالية التي أخذت تتفاقم مع مرور السنوات، إذ لم يعد باستطاعة أحد الاستدانة من أصدقائه أو أقاربه كما كان يحدث سابقًا، ومن هنا لقيت هذه الجمعيات رواجًا بين المقبلين على الزواج، حتى أصبحت مشاريع استثمارية رابحة لأصحابها، كما يقول كثيرون.

وحسب وزارة الاقتصاد، فإنه لا توجد إحصائية حول أعداد تلك المؤسسات؛ والقليل منها تمتلك الترخيص، بينما تعمل أغلبها بشكل عشوائي دون مسؤوليّة.

الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في غزة، المقدم أيمن البطنيجي، أكدّ أن الهدف الأساسي الذي يقوم عليه عمل جمعيات تيسير الزواج بغزة هو تحقيق الربح والمنافع الذاتيّة، حتى لو كان على حساب الشاب المتزوج نفسه.

وبيّن البطنيجي أن تلك الجمعيات أفرزت مشاكل عديدة ليس فقط بينها وبين العرسان أنفسهم؛ بل مع كفلائهم الذين يتطلب منهم الدفع في حال تخلّف الموقع الأصلي، وفي أغلب الحالات لا يستطيع الكفيل الإيفاء بالمال فيتعرض للحبس هو أيضًا.

وأضاف البطنيجي أنّ هناك 89 أمر استدعاء لدى المحكمة ضد تخلفوا عن الدفع في الأشهر الأولى من زواجهم بداية السنة الجارية، مبينًا أن بعض الحالات التي نجمت فيها “مشاكل معقدة”، ذهبت الأطراف نحو حلها بشكل ودي أو من خلال العرف العشائري.

الشاب إياد عودة (26 عامًا) حفَّزه حصوله على عقد عامل مؤقت لمدة عام على اتخاذ قرار الارتباط، ولم يكن أمامه سوى التعاقد مع إحدى جمعيات تيسير الزواج.

لم ينكر عودة أنّ الزواج بالتقسيط يوفر تسهيلات معيّنة، لكنه شكل له نقمة، فبعد زواجه بأقل من نصف شهر تخلف عن الدفع لمدة أسبوع، فما كان من صاحب الجمعيّة إلا التبليغ ضده، لتُلقي الشرطة القبض عليه وتودعه السجن أسبوعين، فاضطر إلى الاستدانة من صديقه قيمة قسط (200 دينار) حتى يُسقط صاحب الجمعية طلبه.

يقول عودة، إن ما قدمته له جمعية تقسيط الزواج كان مخالفًا لما تم الاتفاق عليه وإدراجه في العقد بينهما؛ حول ما يتعلق بخدمات الفرح من كفاءة وجودة، “وحتى يحصل على جودة أكثر عليّة أن يدفع زيادة على المبلغ المدفوع وقدره 1500 دينار”.

ويصف عودة ما حدث معه بـ”المأساة”، لأنه بعد خروجه من السجن بفترة قصيرة انفصل عن زوجته؛ نتيجة تراكم الديون الناجمة عن زواجه بالتقسيط، فوقع أمام معضلة كبيرة تمثلت باضطراره إلى دفع مستحقات الطلاق، وما تبقى من أقساط زواجه الذي باء بالفشل بعد شهرين فقط من زواجه.

ماهي آلية عمل جمعيات تيسير الزواج؟ تُقدم هذه الجهات أسعارًا متفاوتة حسب نوعية الخدمة التي ستقدمها للعرسان، وهي توفر غالبًا “غرفة النوم، وبدلتي العريس والعروس، ووجبات الغداء، والصالة، ووسائل المواصلات، وبطاقات الفرح”، وتتراوح قيمة ذلك بين 1500 إلى 2500 دينار أردني.

وتختلف آلية السداد من مؤسسة إلى أخرى، وحين يتعذر على العرسان الدفع أو يتأخرون في تسديد أي قسط، فإنها تُرسل ملفاتهم إلى المحكمة لاتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم.

خالد الكاشف، مدير مؤسسة “زين” لتيسر الزواج بقطاع غزة، يقول إن مؤسسته تهدف إلى مساعدة العرسان وليس الضغط عليهم، “لكن في حال تخلفهم عن الدفع لا يكون لدينا حل سوى التبليغ عنهم لدى الشرطة لإجبارهم على الدفع، وإذا تساهلنا أكثر من مرة يعرضنا ذلك لخسارة كبيرة”.

ويُبين الكاشف، أن المشاكل تراكمت بيّن الجمعيات والعرسان بعد قرار الخصومات التي فرضت على القطاع فاستفحلت المشكلة، وبدت أكثر تعقيدًا، موضحـًا أن عدد العرسان المتعاقدين مع مؤسسته زاد عن 500 شخص خلال عام 2017، منهم 300 شاب لا يلتزمون بدفع الأقساط، “مما عرض الجمعيّة لنسبة مخاطرة ماليّة وصلت لأكثر من 50%” كما يقول.

ويضيف، “نحن ملتزمون بدفعات ماليّة للشركات التي نتعاقد معها لتقديم الخدمة للعرسان، فنحن وسطاء بينهم وبين العرسان (..) وفي حال لم نكن شديدين مع العرسان لا يدفع أحد منهم”.

وتنص المادة (15) من القانون الفلسطيني أنه للجمعيات والهيئات الحق في إقامة الأنشطة وتأسيس المشاريع المدرة للدخل، شريطة أن يستخدم الدخل المتحصل لتغطية أنشطتها لمنفعة الصالح العام، وليس الصالح الخاص أو الربح.

محمـد الناطور، المستشار القانوني لدى شركة “بال فورت” للاستشارات والخدمات القانونيّة، ينتقد عمل جمعيات تيسير الزواج التي قال إنها “لا تقوم على النزاهة والشفافية في تعاملها مع عملائها؛ ولا تلتزم بأي معايير محددة، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمة هذا من جانب” وفق قوله.

ويعتقد الناطور، أن الشبان “يفتقدون لحسن الإدارة، وأغلبهم ليسوا على دراية بالإجراءات القانونيّة؛ فنجدهم بسهولة يقعون ضحيّة لتلك الجمعيات”، مضيفًا أن الواقع السيء الذي يعيشه الشباب أثر كثيرًا في لجوئهم للزواج بالتقسيط، وأن هناك ازديادًا في المشاكل بين الشباب الغزيين المتزوجين وهذه الجمعيات.

وأشار الناطور إلى أنه بصرف النظر عن التفاهمات الشفهية بين الجمعيات والعرسان، فإنه طالما وقّع الطرفان على عقود رسمية، سواءً كانت سندات بيع، أو شيكات، أو كمبيالات، فإنه وجب عليهم الالتزام بالسداد أمام القانون.

Send this to a friend