العشاء الذي طلبه محمد و لم يتناوله !!

العشاء الذي طلبه محمد و لم يتناوله !!

كنتُ أعدّ الساعات التي يغيب فيها ابنائي عني، متشوقة للحظة تقرّ فيها عيني كل يوم عندما أغلق باب المنزل علينا وقد اكتمل عددنا ولا مكروهاً ألّم بنا، ولكن هذه الليلة كانت مختلفة بكل تفاصيلها، حيث لم يكتمل عددنا إذ فقدنا شهيداً، ولم نغلق باب منزلنا إذ كان طيلة الليل ثكنة عسكرية لجيش الاحتلال الذي أصدر قرار هدمه، ولم تنم عيني قليلاً، كيف أنام وفلذة كبدي في يد الاحتلال جثمان غفت عيناه الى الأبد، ولا حراك له بعد اليوم.

كأي أم دائماً تسعى لاسعاد أطفالها، تقول والدة محمد لـ : كنتُ قد أعددتُ طعام المنسف للعائلة بناء على طلب محمد، الذي قال لي صباح أمس الخميس “اطبخي اليوم منسف جاي على بالي، بس أروّح بدي اتعشى منسف”، ولكن المنسف ظل ينتظر مَن ، ولم يأتِ محمد، إنما جاء أهالي بلدة كوبر يواسون والدته بعد أن تعرّفت العائلة على جثمان طفل نشر الاعلام العبري صورته بعد اطلاق النار عليه عقب تنفيذه علمية طعن في مستوطنة “آدم” قتل فيها مستوطن وأصيب آخرين، وأدركوا أنه نجلهم الذي تأخر عن موعد ساعة، فتقول والدة محمد “بستنى يجي يتعشى أجاني خبره”.

تفاصيل كثيرة لا يمكن لأحد استحضارها على لسان والدة محمد المكلومة بفاجعة فقدها لنجلها، كيف لعقل ما أن يستوعب فكرة أن ينتظر أحدنا شخصاً عزيزاً عليه ويكون القدر ان يظلّ هذا الانتظار مفتوحاً لا موعد لانتهائه، إذ يرحل المنتَظر رحيلاً أبدياً، يليق بدافع الرحيل.

محمد طارق دار يوسف ابن السابعة عشر ربيعاً، وابن قرية كوبر شمال غرب رام الله، كان قد أعدّ نفسه كالمعتاد وذهب مع والده وشقيقه الأصغر للعمل في مهنة الدهان، ليحاول التخفيف عن كاهل والده أعباء مصاريف العيش، فقرر محمد استثمار العطلة الصيفية للعمل وتأمين مبالغ الدروس الخصوصية التي كان يخطط لها على اعتباره طالب ثانوية عامة، وكان قد أخبر والدته أنه سيتكفل بشراء ملابس عيد الأضحى لأشقائه وشقيقاته لقاء ما يجنيه من عمله.

الشهيد محمد رحل وأبقى وصيته لمَن يتحرك فيه الضمير، كتب على صفحته الفيسبوك قبل تنفيذ عملية الطعن في مستوطنة آدم “ألم يأتي وقت هذه الثورة، اللهم اعف عنا تقصيرنا تجاه الأقصى والمظلومين”، ليخبر الجميع أن ثورته كانت على ظلم الاحتلال الذي تمادى في اذلال الشعب الفلسطيني، ومارس ضده أبشع أنواع التنكيل والقتل، ليخبر العالم الذي يصمت أمام قتل الفلسطينيين ويهبّ اذا جُرح اسرائيلي أن ثورته كانت نصرة لشعب بأكمله يرزح تحت ظلم احتلال لا يتوانى في ابادته.

العشاء الذي طلبه محمد و لم يتناوله !!

وضمن منهجية الاحتلال في تنفيذ العقاب الجماعي على كل مَن له صلة بالشهيد، فقد اقتحم جيش الاحتلال طيلة الليلة الماضية، بلدة كوبر، وداهم منزل والد الشهيد محمد، وأخذ قياساته مهدداً العائلة بهدمه في أقرب وقت، وإزاء هذا تقول والدة محمد “انا هيني في الدار مش طالعة، هيني قاعدة تحت رحمة ربي”، فيما يحاول والد محمد التماسك أمام هذه الفاجعة ويرتب حاجياتهم لاخراجها من المنزل قبل هدمه على يد الاحتلال.

يشار الى أن محمد هو الابن الأكبر من بين الذكور لعائلته، وله 4 شقيقات و2 من الأشقاء، وكان محمد قد نفذ عمليته الفدائية في ذكرى تنفيذ الأسير عمر العبد ابن كوبر عمليته في مستوطنة “حلميش” قبل عام.

Send this to a friend