تحديثات
بحث سريع
بحث سريع في الأخبار :

تفجيرات بروكسل: أسئلة لا يريد الإجابة عليها أحد؟

في أربع هجمات متزامنة حملت بصمات تنظيم «القاعدة» (و«الدولة الإسلامية» التي تبنّت الأسلوب بالطبع) ضرب الإرهاب مدينة بروكسل في شريانين...
Review: 5 - "تفجيرات بروكسل: أسئلة لا يريد الإجابة عليها أحد؟" by , written on 23-03-2016
في أربع هجمات متزامنة حملت بصمات تنظيم «القاعدة» (و«الدولة الإسلامية» التي تبنّت الأسلوب بالطبع) ضرب الإرهاب مدينة بروكسل في شريانين...
تفجيرات بروكسل: أسئلة لا يريد الإجابة عليها أحد؟  "/> ">
نبض الوطن
نبض الوطن :

في أربع هجمات متزامنة حملت بصمات تنظيم «القاعدة» (و«الدولة الإسلامية» التي تبنّت الأسلوب بالطبع) ضرب الإرهاب مدينة بروكسل في شريانين حيويين: المطار الرئيسي، ومحطة القطارات التحت أرضية «مترو»، وذلك في ساعة الذروة صباح أمس الثلاثاء.
قتلت العملية حسب آخر إحصاء لها قرابة 35 شخصاً وجرحت أكثر من مئة شخص، غير أن أثرها الكبير توالى، فتوقّفت وسائل النقل وأخليت المطارات والمحطات، وتم تداول أنباء عن إخلاء محطة تيانغ النووية، والقصر الملكيّ البلجيكيّ، ورفع حلف الأطلسي «الناتو» مستوى التأهب في مقره الرئيسي في بروكسل، وطُلب من الناس عدم الخروج من أماكن تواجدهم، وأوقفت المباريات الرياضية، وكذلك رحلات القطار مع فرنسا، وهبطت أسعار الأسهم في أنحاء أوروبا.
وازدادت الدوائر اتساعاً مع إخلاء هولندا محطة قطار للاشتباه بهجوم محتمل، وحشد عدد من البلدان الأوروبية آلافا من عناصر الأمن تأهباً، وحذّرت بعض الدول مواطنيها من السفر إلى بلجيكا، وأعلن الكثير من الحكومات تعاطفهم وتنديدهم، واستغلّ بعضها الحادث، كما هو متوقّع، لتبرير إجراءات قانونية متطرّفة، أو الدفاع عن سياساتها القاسية ضد اللاجئين أو الأجانب.
هناك أسباب عديدة تجعل من هذه العملية علامة نوعيّة في الظاهرة المعقّدة للإرهاب، ولا يتعلّق الأمر فقط بعدد القتلى والجرحى الكبير ولا بشلّها مدينة بروكسل ليوم كامل، بل كذلك في رمزيّة ضرب عاصمة الاتحاد الأوروبي وبوقوعها بعد أيّام قليلة فقط من اعتقال صلاح عبد السلام أحد المشتبه بهم في التخطيط والتنفيذ لهجمات باريس، في تضارب صارخ مع الإحساس الذي نشره ذلك الاعتقال بإغلاق ملفّ الهجمات الدامية في فرنسا، وكذلك في مشاركة عدد من مواطني روسيا البيضاء في العمليّات، في اختراق للكليشيهات التقليدية حول منفّذي العمليات الذين يُفترض أن يكونوا من أصول مغاربية أو «جهاديين» متدرّبين في العراق وسوريا.
لجأ بعض زعماء العالم، كالعادة، إلى التعميم الذي يتجاهل دائماً تعقيد وعمق الظاهرة، فيما لجأ أشخاص مثل المرشح الأمريكي للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب إلى الدفاع عن تقنيّات التعذيب والتنديد بالمهاجرين وإغلاق الحدود «حتى نتحقق مما يجري»! فيما استغلّت دول مثل إسرائيل وسوريا الحادثة لتقديم لأوروبا في مطالبة بتأييدها في إجرام حكوماتها، التي ساهمت في خلق استعصاء ومعاناة تاريخيين كانا في صلب أسباب تخلّق الإرهاب وتشكّله.
مع حادث ضخم مثل هذا يرتفع «أدرينالين» العالم ويطغى الخوف والرغبات المجنونة في الانتقام ويتمّ خلط الحابل بالنابل فلا يعود هناك مجال للتفكّر والمساءلة والعقل وتغيب الأسئلة الصعبة لتحضر الأجوبة التي تكتفي بلوم الآخرين.
تختلف هجمات باريس وبروكسل في سياقها التاريخيّ عن هجمات مدريد ولندن ونيويورك، كما تختلف عن هجمات أنقرة (التي نفّذها حزب متطرّف في تأثره بأيديولوجية أوروبية)، التي تختلف بدورها عن هجمات إسطنبول (التي قام بها تنظيم «الدولة الإسلامية»)، فيما تختلف عمليّات «الدولة الإسلامية» في العراق عنها في سوريا، ومحاولات النظر إلى «الإرهاب» بالجملة، ومقطوعا عن سياقه التاريخيّ، تخفي، دائماً، وراءها مصالح وأوهاما وصراعات أيديولوجية وسياسية، وتصبّ دائماً إما في صالح صانعي الإرهاب، سواء كان إرهاب دولة أو إرهاب تنظيمات.
تحمل كل عمليّة في داخلها بصمات صانعيها وأسبابهم، ولكنّها تحمل أيضاً إشكاليّات معقّدة تشارك في صنعها عملية الحداثة العولميّة التي خلفت عصر الاحتلالات فجعلت انتقال الأموال والبشر والأفكار أمراً لا إجباريا، وسمحت بالتالي بهذا التداخل الهائل بين مشكلات الرأسمالية المتقدمة والعنصرية والتهميش (الغربيّة) وإشكالات الاستبداد والقمع والتوحش في البلدان الأخرى.
يجيب العالم على ظاهرة الإرهاب بتشديد الأمن والتفتيش والحواجز وبناء الأسوار العالية فلا يفعل غير أن يزيد الظاهرة اشتعالا.
كلّما حصلت عمليّة إرهابية يعيد العقل السياسيّ الانتهازيّ تكرار أجوبته وكليشيهاته الجاهزة، والتي يشترك فيها ترامب الأهوج مع أوباما الهادئ، وأبو بكر البغدادي مع مارين لوبين، فيتم تجاهل أن الإرهاب نهر كبير عالميّ تصبّ فيه سفالات العالم وعنصرياته وتنداح في مجار تضيف كل ساقية أحجارها وتراكماتها الخاصة.
شديد الدلالة، في هذا السياق، ما حصل من ربط رئيس المخابرات الأوكراني لروسيا بالهجمات، والردّ العصابيّ الروسي عليه بأنه معتوه، فالإرهاب لا يتعلّق بالأعمال التفجيرية المباشرة بل بكل ما يقود إليها.
على كل من يحارب (أو يزعم أنه يحارب) الإرهاب أن ينظر في المرآة أولا.

رأي القدس

Send this to a friend