تحديثات
بحث سريع
بحث سريع في الأخبار :

الانتحاري الصغير الذي فجر اصدقائه في مباراة لكرة القدم

ترك المفجر الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم للأولاد في أواخر الشهر الماضي بالكاد حفرة في الأرض الصلبة الجافة، وبقعة...
Review: 5 - "الانتحاري الصغير الذي فجر اصدقائه في مباراة لكرة القدم" by , written on 25-04-2016
ترك المفجر الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم للأولاد في أواخر الشهر الماضي بالكاد حفرة في الأرض الصلبة الجافة، وبقعة...
الانتحاري الصغير الذي فجر اصدقائه في مباراة لكرة القدم  "/> ">
نبض الوطن
الانتحاري الصغير الذي فجر اصدقائه في مباراة لكرة القدم

الانتحاري الصغير الذي فجر اصدقائه في مباراة لكرة القدم

نبض الوطن :

ترك المفجر الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم للأولاد في أواخر الشهر الماضي بالكاد حفرة في الأرض الصلبة الجافة، وبقعة واهنة على جدار إسمنتي في الجوار.

لكنه فتح حفرة من الحزن الكبير في قلب المجتمع الصغير الذي فقد أكثر من دزينتين من أبنائه في لحظة واحدة، عند الساعة السادسة والربع من مساء يوم 25 آذار (مارس) الماضي. وقد توفي ما مجموعة 43 شخصاً جراء التفجير، طبقاً للأرقام التي وفرتها الحكومة المحلية. وكان بين هؤلاء القتلى 29 فتى بعمر أصغر من 17 سنة، والذين إما كانوا يشاركون في المباراة، أو يشاهدون أقرانهم وهم يلعبون.

وكان المفجر الانتحاري نفسه مراهقاً أيضاً، لا يزيد عمره على 15 أو 16 عاماً، بالحكم من صورة نشرها له “داعش”، الذي أكد مسؤوليته عن التفجير، بالإضافة إلى إفادات من الذين شاهدوه أثناء المباراة. وقال بيان الجماعة الإرهابية إن الهدف كان تجمعاً لأعضاء من المجموعة البرلمانية الشيعية المعروفة باسم “الحشد الشبابي”. وقالت الحكومة المحلية إن عضوين من إحدى الميليشيات كانا من بين المراهقين الذين قضوا في الانفجار.

لكن ذلك يفسر بالكاد الرعب الذي يرافق هجوماً يفضي بشكل محتم إلى مقتل أولاد. وقال محمد الجهيشي، أحد شيوخ المنطقة والذي فقد خمسة من أقاربه جراء الانفجار، إن المفجر “كان ولداً، وجاء ليقتل أولاداً. كانت مباراة كرة قدم للأولاد. بالطبع كان يعرف أنه سيقتل أولاداً”.

وبالنسبة للأولاد في قرية العصرية الفقيرة والمختلطة من السنة والشيعة، الواقعة على بعد 40 ميلاً إلى الجنوب من بغداد في المنطقة التي وصفها الجيش الأميركي بأنها مثلث الموت، لا تعد كرة القدم مجرد هواية وتسلية. إنها شغف وهدف؛ حيث توفر حلم الهروب من رتابة الحياة اليومية القاتمة في واحد من المجتمعات العراقية المهملة أكثر ما يكون.

كان أحد الأولاد هو مهند خزعل، 10 سنوات، الذي عاش مشجعاً لريال مدريد، فريقه المفضل، ومحبوبه نجم الفريق كريستيانو رونالدو، كما قال أخوه أحمد، 12 عاماً. وأضاف أحمد أن مهند كان يحلم باللعب في منتخب العراق، بل وربما حتى مع ريال مدريد، كما قال أحمد الذي يحلم باللعب مع نادي برشلونة، والذي كثيراً ما دخل في عراك مع مهند حول أي الفريقين أفضل.

وكان الأخوان، مهند وأحمد، قد لعبا مع فريق محلي لم يتأهل لنهائي دورة رابطة الشباب. لكنهما حضرا تلك المباراة بالرغم من ذلك، سوية مع شقيقهما الأكبر فاروق، 20 عاماً، ومع كل الأولاد الآخرين تقريباً من ذلك المجتمع المهووس بكرة القدم.

وجرت المباراة النهائية بين فريق يدعى “الأهلي” وآخر يدعى “السلام”. وكان الملعب حقلاً مترباً في وسط القرية، غير محدد المعالم باستثناء عارضات المرميين عند كلتا النهايتين. وقد تابع المسؤولون المحليون المباراة وهم جالسون على مقاعد بلاستيكية في منصة أقيمت عند إحدى حافتي الحقل. ووقف المشاهدون، ومعظمهم من الأولاد، حول محيط الحقل.

بالكاد بدا أن أحداً لاحظ أو واحداً من الأولاد الذين يتابعون المباراة كان يرتدي سترة سميكة في مساء ربيعي دافئ بينما كان معظم الفتيان يرتدون قمصاناً قصيرة الأكمام فقط. لكن أنمار الجنابي، 12 عاماً، والذي كان يقف بجوار الفتى الذي يرتدي الملابس الشاذة، قال أنه لاحظ ذلك، ولو أنه لم يفكر بقول شيء للراشدين الذين كانوا يتابعون المباراة.

ويتذكر أنمار: “كان طويلاً بعض الشيء وشعره طويل وبدا مختلفاً. وكان يرتدي سترة سميكة مع أن الجو كان حاراً…. تحدث معنا، وقال: “إنها مباراة جيدة… أليست كذلك؟”.
وعندما انتهت المباراة، انضم الولد صاحب السترة السميكة إلى تجمع الأولاد عند المنصة لمتابعة تسليم الكأس والميداليات، وفقاً لأنمار الذي حضر المباراة مع شقيقه بلال البالغ من العمر 13 عاماً ومجموعة من الأصدقاء.

وقال أنمار: “ثم فجر نفسه وشعرت بنار تلفح وجهي، فلذت بالفرار”.

كان قلة من الآباء قد صحبوا أبناءهم لمشاهدة المباراة في ذلك اليوم. لماذا يفعلون ذلك؟ ومعظمهم يسكنون على بعد بضع مئات من الياردات من الملعب، والأولاد يتجمعون هناك كل يوم لخوض المباريات أو لمجرد اللعب من أجل اللعب.

ومع ذلك، كان عباس علي العيداني يأمل في حضور المباراة. لكنه تلقى في وقت سابق من المساء مكالمة مثيرة من ابنه، كرار البالغ من العمر 13 عاماً، الذي اكتشف لتوه أنه سيلعب حارس مرمى في فريق “السلام”.

ويتذكر عباس الذي يعمل حارس أمن في شركة محلية: “قال لي أنه سيكون حارساً للمرمى لأول مرة، وطلب مني أن أجلب له قفازات… لكنني كنت في العمل ولم أستطع المغادرة”.

وفور انتهاء وردية العيداني في العمل، هرع إلى مخزن مجاور لشراء القفازات، وسمع صوت الانفجار عندما خرج من المخزن. وكان الدخان يتصاعد من جهة ملعب كرة القدم. فقفز العيداني إلى سيارته وقد اعتراه الخوف.

وكان أناس آخرون يهرعون من منازلهم في اتجاه الملعب -آباء وإخوان وأعمام وأجداد- وكلهم جلبتهم قوة الانفجار. ووصلوا إلى ملعب كرة القدم ليجدوا كوماً متداخلاً من الأطفال المحطمين وأشلاء الأجساد والدماء. وقالت ابتسام حامد، التي كان ابنها وليد من بين القتلى: “وجدنا قطعاً من الأولاد. وكانت هناك لحوم بشرية في كل المكان”.

وأضافت: “كان ذلك كأنه يوم القيامة”.

أما بلال، شقيق أنمار، فقد توفي في سيارة عمه أثناء نقله إلى المستشفى. وقتل مهند خزعل، المعجب بنادي ريال مدريد والبالغ من العمر 10 سنوات في الحال، وفق ما ذكره أخوه أحمد الذي نجا من الموت، لكنه أصيب بجرح شظية في وجهه. كما يرقد شقيقه الأكبر فاروق في المستشفى بعد أن أصيب بحروق بليغة.

مع وصول العيداني إلى الملعب، كان ابنه قد نقل إلى المستشفى، لكنه مات قبل وصول والده. وقال العيداني: “ماذا نستطيع أن نقول؟ نستطيع فقط أن نحمد الله على كل شيء”.

بعد أسبوعين من التفجير، ما تزال القرية برمتها تحت وقع الصدمة. وتحول الجدار المجاور للبقعة التي شهدت الانفجار إلى مزار مليء بصور الأطفال القتلى وبقايا قمصانهم وكرات القدم المدماة. وثمة رايات سود تنعى المتوفين تتدلى على جدان العديد من المنازل التي فقدت أبناءها.

وفي داخل هذه المنازل، تتقبل العائلات التعازي في غرف المعيشة وقد اعتصرها الألم.

ويقدم الآباء أقداح الشاي ويعرضون صوراً لأبنائهم القتلى وقد غلبهم البكاء.

كان بلال، شقيق أنمار، طالباً متألقاً تخرج في مقدمة فصله الدراسي السادس، كما كان لاعباً متفوقاً انتخب ثلاث مرات لاعب العام في فريقه المحلي، وفق جده حامد الجنابي الذي قال: “لقد حضر معلموه لزيارتنا وكانوا يبكون. كان دائماً الأول في فصله الدراسي”.

وفي منزل يقع قبالة الشارع، تذكر والد وليد ابنه بطريقة مختلفة. وقال عادل عبد إن ابنه “لم يكن جيداً في المدرسة. وقد فشل في العديد من الامتحانات لأنه كان دائماً يلعب كرة القدم”. وكان لطيفاً جداً وأحب الطيور كما قالت والدته: “بعد وفاته جاء الناس لرؤيتي لم أكن أسمع بهم من قبل، وقالوا لي إن وليد كان لطيفاً معهم”.

وتذكرت والدة مهند خزعل، سناء ياسين موسى، ابنها في المنزل الصغير الإسمنتي المكون من ثلاث غرف، وقالت: “كان كل شيء عنده كرة القدم. كانت كرة القدم كل حياته”.

أما الذي سقط من ذاكرة كل الذين نجوا من تلك المجزرة تقريباً، فكانت نتيجة المباراة. ومن بين الذين قابلتهم، كان أحمد هو الوحيد الذي تذكر النتيجة. وقال إن فريق السلام كسب بنتيجة واحد في مقابل صفر. والآن، وُضع كأس الفريق الذي لم يستلمه أحد عند موقع الانفجار، تحيط به مجموعة من كرات القدم والورود والأعلام العراقية.

Send this to a friend